
الليبرالية المحافظة كمرجعية للحزب المغربي الحر
إن الحزب المغربي الحر ينطلق من قناعة راسخة بأن أي مشروع سياسي جاد لا يمكن أن ينهض إلا على قاعدة فكرية وقيمية متينة، قادرة على استيعاب تحولات العصر وتوجيهها من دون التفريط في الثوابت الوطنية والدينية. ومن هنا، يتبنى الحزب مرجعية ليبرالية محافظة، تجعل من الحرية قيمة عليا، لكنها حرية مسؤولة منضبطة بالقانون، مؤطرة بالأخلاق، ومنسجمة مع خصوصيات المجتمع المغربي وثوابته الروحية.
فالحرية التي ننادي بها تشمل حرية الفكر والتعبير والإبداع والاقتصاد والمنافسة، لكنها ليست حرية مطلقة تذيب المعايير وتفتح الباب أمام الفوضى، بل هي حرية تُوازن بين الحق والواجب، وبين المصلحة الفردية والصالح العام. وكما يقول ألكسيس دو توكفيل: “المجتمعات لا تزدهر بالحرية وحدها، وإنما بالحرية التي تحكمها الأخلاق”. وهو ما يجعل حزبنا يرفض اختزال الليبرالية في بعدها المادي البحت، أو تحويلها إلى رأسمالية متوحشة لا تؤمن إلا بالمردودية والربح. فكما أشار المفكر المغربي طه عبد الرحمان: “إن الحرية التي لا تتخلق تصير قيدًا على صاحبها”، فإننا نرى أن الحرية الحقيقية هي التي تهذّبها القيم، وتوجهها رسالة إنسانية أسمى.
وانطلاقًا من هذا التصور، لا ينحصر مشروع الحزب في تحرير الطاقات الاقتصادية والفكرية فحسب، بل يتجه إلى بناء إنسان متوازن يجمع بين الإبداع والإيمان، بين الطموح والرضا، وبين السعي في الدنيا وتحمل المسؤولية تجاه الآخرة، انسجامًا مع قوله تعالى: “وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ” (القصص: 77). فالمجتمع الذي لا يتأسس على الأخلاق والتعاون والتكافل، يصبح – كما حذر عبد الرحمن بدوي – مجرد تجمع مصلحي هشّ لا يُنجب حضارة ولا يستبقي استقرارًا.
وتنعكس هذه المرجعية في رؤية سياسية شمولية تعتبر أن التنمية الاقتصادية لا تكتمل إلا بعدالة اجتماعية، وأن العدالة لا تستقيم إلا بدولة قانون قوية تحمي الحقوق وتفرض الواجبات، وأن التربية لا تكون فاعلة إلا إذا جمعت بين تكوين العقل وتهذيب الضمير. بهذا المعنى، فالحزب المغربي الحر يدافع عن اقتصاد سوق منفتح، لكنه محكوم بالشفافية والمنافسة الشريفة؛ وعن سياسات اجتماعية متضامنة تعزز مكانة الطبقة الوسطى وتوفر الحماية للفئات الهشة؛ وعن نظام تربوي وأخلاقي يصوغ شخصية المواطن القادر على الإنتاج والابتكار بقدر ما يُلهمه الإيمان والقيم؛ وعن مؤسسات دستورية راسخة تضمن العدل والمساواة وتؤطر الحرية حتى تظل رافعة للتقدم لا أداة للفوضى.
بهذا التصور، يقدم الحزب المغربي الحر ليبرالية مغربية أصيلة، لا تقطع مع جذورها ولا تنغلق أمام العالم، ليبرالية تجعل الإنسان غاية ووسيلة في آن، وتضعه في قلب معادلة التنمية الشاملة: مواطنًا حرًا، منتجًا، متضامنًا، مؤمنًا بقيمه، ومسهمًا في بناء وطن مزدهر متماسك.
