إشراك الشباب في الفعل السياسي… من سؤال الحاضر إلى أفق المعنى

0 48

في اللحظات التي تتعب فيها السياسة من نفسها، وتفقد فيها الكلمات قدرتها على الإقناع، يظلّ الشباب كاستفهامٍ كبير لا يمكن تجاهله. ليسوا مجرد فئة عمرية تُضاف إلى خرائط الإحصاء، بل هم ذلك القلق النبيل الذي يوقظ المعنى كلما مالت السياسة إلى السكون، ويعيد مساءلة البديهي حين يتحول إلى يقينٍ جامد.

لقد ظلّ الفعل السياسي، في كثير من تجلياته، يميل إلى إعادة إنتاج ذاته داخل دوائر مغلقة، تُراكم التجربة أكثر مما تُراكم الأفق، وتستدعي الماضي أكثر مما تصنع المستقبل. وفي هذا الانغلاق الخفي، يتراجع حضور الشباب من موقع الشراكة إلى موقع الانتظار، وكأن الزمن السياسي لا يعترف بهم إلا بوصفهم “قادمين لاحقاً”، لا بوصفهم حضوراً مكتملًا في قلب اللحظة.

غير أن الشباب، بطبيعتهم، لا يقيمون في هامش الزمن. إنهم يندفعون نحو المركز، لا رغبةً في الامتياز، بل لأنهم الأكثر التصاقاً بتحولات الواقع، والأكثر حساسيةً تجاه الفجوة بين الخطاب والممارسة. ومن هنا، يصبح إشراكهم في الفعل السياسي ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل إعادة تأسيس للعلاقة بين المجتمع ومصيره.

إن السياسة التي تُقصي شبابها، لا تفقد فقط طاقة بشرية، بل تفقد قدرتها على التجدد الداخلي، وتتحول تدريجياً إلى ذاكرةٍ تُعيد نفسها بدل أن تكتب مستقبلها. أما السياسة التي تنصت إليهم، فهي تلك التي تقبل أن تُراجع لغتها، وأن تُعيد ترتيب أولوياتها، وأن تفتح لنفسها احتمال الخطأ والتصحيح معاً.

إن إشراك الشباب، في جوهره العميق، ليس دعوة إلى الحضور العددي، بل إلى الاعتراف الرمزي بهم كفاعلين في إنتاج القرار، لا كمجرد متلقين لنتائجه. هو انتقال من منطق الوصاية إلى منطق الشراكة، ومن ثقافة “التأجيل السياسي” إلى ثقافة “الحضور الفعلي”.

وحين يتحقق هذا التحول، لا يعود الشباب مجرد وعدٍ مؤجل، بل يصبحون لحظة سياسية مكتملة، تُعيد تعريف السياسة ذاتها لا كإدارة للواقع فقط، بل كبحث دائم عن معنى أوسع للعيش المشترك …

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.