رغم ما تحقق للمغرب من إنجازات كبرى في مجالات البنية التحتية والمشاريع الاستراتيجية، فإن ثلاثة قطاعات أساسية ما تزال تمثل جرحاً نازفاً في الجسد الاجتماعي، وهي الصحة والتعليم والبطالة. هذه القطاعات تشكل اليوم التحدي الأكبر أمام استقرار البلاد وازدهارها، لأنها تمس الحياة اليومية للمواطنين وتحدد مستقبله وثقته في الدولة.
في التعليم، وعلى الرغم من المجهودات التي جعلت الولوج إلى التعليم الابتدائي شبه شامل، فإن نسب الانقطاع عن الدراسة ما تزال مرتفعة، بما يعادل مئات الآلاف من التلاميذ سنوياً. كما أن جودة التعلم تبقى ضعيفة، حيث كشفت الاختبارات الدولية عن مستويات متدنية في اللغات والعلوم والرياضيات، وتزايد الفوارق بين المدرسة العمومية والخاصة تتسع.
هذا ويؤكد كافة المتابعين كيف تحول التعليم الخاص إلى مجال تجاري محكوم بالربح أكثر من الجودة، مما عمّق التفاوت الاجتماعي وجعل الحصول على تعليم جيد امتيازاً طبقياً، كما أن العلاقة المفقودة بين التكوين الأكاديمي ومتطلبات سوق الشغل جعلت الآلاف من الخريجين يواجهون البطالة أو أعمالاً لا تناسب مؤهلاتهم.
أما الصحة، فالوضع لا يقل إيلاماً. فنقص الكوادر الطبية والممرضين، وقلة التجهيزات، وضعف البنية التحتية في المستشفيات العمومية، كلها مؤشرات واضحة على أزمة مزمنة. المشروع الملكي الطموح لتعميم التغطية الصحية فتح نافذة أمل كبيرة، لكن ضعف التنزيل الحكومي وغياب رقابة فعالة جعلا أثره على المواطن محدوداً. في المقابل، تزايدت هيمنة المصحات الخاصة، حيث الغلاء الفاحش في الفواتير، وغياب الشفافية، وضعف المنافسة، مما جعل العلاج في كثير من الحالات امتيازاً لا حقاً.
أما البطالة فهي العنوان الأبرز لهذا الثالوث. فالنسب الرسمية تكشف أرقاما مقلقة، خاصة في صفوف الشباب والنساء وحاملي الشهادات العليا. البطالة في المدن تفوق ضعف نظيرتها في القرى، والهشاشة في سوق الشغل تتجلى في تدني الأجور وطول ساعات العمل، وغياب الحماية الاجتماعية. هذه الأوضاع لا تضعف فقط الاقتصاد، بل تغذي الإحباط وفقدان الأمل لدى فئات واسعة من الشباب، وتدفع بعضهم نحو الهجرة غير النظامية.
لقد أثبتت تجارب إصلاحية في بلدان أخرى أن الخروج من هذه الحلقة ممكن إذا ما اقترن الانفتاح الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية. ففي التعليم، أبانت بعض النماذج عن نجاعة الاستثمار المكثف في المدرسة العمومية وربط المناهج بالتطورات التقنية وحاجيات سوق العمل، مع ضبط مساهمة القطاع الخاص في إطار من الجودة والإنصاف. وفي الصحة، أثمرت إصلاحات قامت على تقوية المستشفيات العمومية، وتوسيع التغطية الصحية مع مراقبة الأسعار وضمان المنافسة بين مقدمي الخدمات، مما أتاح للمواطنين الولوج إلى العلاج بجودة وتكلفة معقولة. أما في التشغيل، فقد نجحت مقاربات اعتمدت على دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتوسيع الاستثمارات في قطاعات جديدة كالتكنولوجيات الحديثة والطاقات المتجددة والفلاحة العصرية، إلى جانب رفع الأجور وضمان ظروف عمل كريمة، وهو ما ساعد على امتصاص البطالة وتحويلها إلى طاقات منتجة.
إن الحزب المغربي الحر، من منطلق مرجعيته الليبرالية الاجتماعية المحافظة، يرى أن إصلاح هذه القطاعات ليس ترفاً ولا مطلباً قطاعياً محدوداً، بل هو شرط وجودي لأي مشروع تنموي. فالتعليم الجيد، والصحة الكريمة، وفرص الشغل اللائقة، هي حقوق دستورية، وأسس لاستقرار المجتمع، وضمانة لاستمرار الثقة في المؤسسات. ومن دون مواجهة هذا الثالوث المؤرق برؤية شجاعة وإصلاحات مبتكرة، لن يتمكن المغرب من استثمار مكاسبه الكبرى وتحويلها إلى تنمية شاملة يستفيد منها كل مواطن.