الحزب المغربي الحر والحاجة إلى إحياء المشهد السياسي بالمغرب

لقد خطت بلادنا خطوات معتبرة في مسار البناء الديمقراطي، غير أنّ هذا المسار ما يزال يعاني من أعطاب بنيوية تُكبّله وتمنعه من بلوغ مداه. فالمشهد الحزبي، بدل أن يكون مدرسة للتجديد وصناعة البدائل وضخ الكفاءات الشابة، ظل أسيرًا لدائرة مغلقة تتوارثها نفس العائلات ونفس الوجوه منذ عقود، ففقدت السياسة نكهتها الأصلية، وضاعت معها ثقة المواطن في إمكانية إحداث تغيير حقيقي. لقد تحوّل التداول على السلطة إلى عملية شكلية لا تُقنع أحدًا، وأسهم في تكريس احتكار المؤسسات وتضييق أفق الأمل في المستقبل.

وإذا كانت هذه المظاهر تمثل جانبًا من الأزمة، فإن الوجه الآخر يتمثل في الاستعمال المكثف للمال الفاسد الذي بات يُلوّث الممارسة السياسية والإعلامية على حد سواء، عبر شراء الذمم وتوجيه الرأي العام وإفساد قواعد التنافس النزيه. وهو انحراف خطير يهدد جوهر الاختيار الديمقراطي، ويجعل مبدأ تكافؤ الفرص بين الأحزاب والفاعلين مجرّد شعار فارغ من محتواه. ومع بطء تفعيل قاعدة ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكرار صور الإفلات من العقاب، يزداد شعور المواطن بالخيبة، وتتسع الهوة بين المجتمع ومؤسساته.

ولعل أخطر ما يترتب عن هذا الركود هو ما يمكن تسميته بـ”السكتة القلبية” للحياة السياسية: موجات سخط عارم تتفجر في مواقع التواصل الاجتماعي، عزوف متنامٍ عن المشاركة الانتخابية، واحتجاجات غير مؤطرة في عدد من المناطق. كلها إشارات تنذر، إن لم يتم تداركها، بانزلاق محتمل نحو مواجهة مباشرة بين المواطن والمؤسسات، وهو ما يُشكل تهديدًا صريحًا للاستقرار السياسي والاجتماعي.

إن الإمعان في تهميش مؤسسات الوساطة، وعلى رأسها الأحزاب السياسية، ليس فقط تقصيرًا في إدراك دورها الحيوي، بل هو استثمار فاشل في تعميق القطيعة بين الدولة والمجتمع، وفتح الباب أمام فراغ سياسي خطير لا يُملؤه سوى التوتر والاحتقان.

وانطلاقًا من هذا التشخيص، يؤكد الحزب المغربي الحر أن حماية الاختيار الديمقراطي ليست ترفًا سياسيًا، بل مسؤولية وطنية جامعة.

وهي لن تتحقق إلا عبر إصلاحات عميقة تبدأ من القوانين الانتخابية لضمان نزاهتها وشفافيتها، وتجريم استعمال المال الفاسد بكل أشكاله، وضبط آليات التمويل الحزبي والانتخابي.

كما يطالب الحزب بتقوية أدوار البرلمان، وتوسيع صلاحيات المجالس المنتخبة محليًا وجهويًا، وضمان استقلالية القضاء حتى يظل حاميًا للحقوق والحريات. وفي قلب كل ذلك، يظل الإعلام الحر والمسؤول ركيزة أساسية لأي ديمقراطية صادقة، باعتباره سلطة رقابية تكشف الفساد وتنير الرأي العام، لا أداة للتشهير ولا وسيلة للابتزاز.

بهذه الرؤية، يضع الحزب المغربي الحر نفسه في موقع الدفاع عن إحياء السياسة وإعادة الاعتبار لها كوسيلة نبيلة لخدمة الصالح العام، وعن استعادة ثقة المواطن في المؤسسات. فالديمقراطية ليست واجهة شكلية، بل تعاقد اجتماعي وأخلاقي يقوم على الصدق والشفافية، ولا يستقيم إلا بتجديد دماء النخب، وإطلاق طاقات الشباب، وإعادة الروح إلى جسد العمل الحزبي الذي هو صمام أمان الاستقرار وضمانة المستقبل الحزب ورؤيته الاقتصادية والاجتماعية.

يشهد المغرب اليوم تحديات اقتصادية واجتماعية جسيمة تتطلب قراءة دقيقة وجرأة في التشخيص. فارتفاع معدل البطالة إلى نحو 13.3 % في 2024، وارتفاع البطالة بين الشباب إلى 36.7 %، مع فقدان 137 ألف وظيفة زراعية نتيجة الجفاف وتراجع الإنتاجية، يعكس إخفاق السياسات الحكومية في توفير فرص العمل والحفاظ على استقرار القطاعات الحيوية. وفي الوقت نفسه، تشير البيانات إلى أن الموارد المائية للفرد تقلصت من أكثر من 2000 م³ في الستينيات إلى أقل من 600 م³ اليوم، ومن المتوقع أن تهبط إلى حدود 500 م³ بحلول 2030، فيما تُستخدم 87 % من المياه المخصصة للزراعة لصالح الإنتاج التصديري، على حساب الأمن الغذائي المحلي، مما يضاعف التفاوتات المجالية ويعمّق الفوارق الطبقية، ويزيد الاحتقان الاجتماعي.

وفي القطاع الطاقي، يُلاحظ تهديد متزايد للسيادة الوطنية، إذ يهيمن احتكار شبه كامل على السوق، ما يضعف قدرة الدولة على حماية الأسعار وتحقيق المنافسة العادلة. هذا الوضع ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين ويؤثر على استقرار الاقتصاد، كما يطرح تساؤلات جوهرية حول فعالية السياسات الحكومية في الحفاظ على الموارد الأساسية للأمة وضمان حقوق المواطنين.

وفي ظل هذه التحديات، يرى الحزب المغربي الحر أن الحل لا يمر إلا عبر رؤية شاملة، تضع الإنسان المغربي في صلب المعادلة الاقتصادية والاجتماعية، وتربط بين الحرية الاقتصادية والمسؤولية الوطنية، بين المبادرة الفردية والعدالة المجتمعية. فالاقتصاد يجب أن يكون فضاءً حقيقيًا للمنافسة الشريفة، حيث يُتاح للفلاح الصغير والمقاولات المتوسطة والصغيرة الفرصة للنمو والإبداع دون قيود احتكارية، مع توفير تمويل حديث وسلاسل توزيع عادلة تحميهم من هيمنة الوسطاء وكبار المستثمرين.

كما يؤكد الحزب أن الأمن الغذائي والماء والطاقة ليست مجرد أرقام على الورق، بل موارد استراتيجية حيوية تتطلب إدارة رشيدة وشفافة، ترتكز على الترشيد والتحلية وإعادة التدوير والعدالة في التوزيع، وتضمن بقاء هذه الموارد في خدمة المواطن قبل أي اعتبار آخر. أما العدالة الاجتماعية، فهي ليست مساواة شكلية، بل ضمان حد أدنى من الكرامة لكل فرد، عبر تعليم عمومي جيد يفتح أبواب الترقي، وصحة عمومية تضمن العلاج بكرامة، وتضامن مسؤول يعالج هشاشة المجتمع دون اللجوء إلى الريع أو الزبونية.

وبهذا، تقدم رؤية الحزب المغربي الحر نموذجًا للتنمية الشاملة والمتوازنة، حيث تكون حرية المبادرة أداة للتمكين وليس للهيمنة، والموارد الوطنية مصانة وموضوعة في خدمة الإنسان، والفرد مواطن فاعل، قادر على الارتقاء بنفسه ومجتمعه، في إطار دولة قوية تضمن الاستقرار وتنمي القدرة الإنتاجية للأمة وتحمي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للجميع.

Comments (0)
Add Comment