تمكين المرأة بالمغرب… بين تعثر السياسات وإكراهات الواقع الاجتماعي

0 17

يعد تمكين المرأة ركيزة أساسية لأي مشروع تنموي ديمقراطي، باعتبارها فاعلا محوريا في بناء الاقتصاد والمجتمع. غير أن تحقيق المساواة الفعلية وتكافؤ الفرص في الولوج إلى مواقع القرار لا يمكن أن يتم بمعزل عن إرادة سياسية واضحة، وسياسات عمومية منسجمة وفعالة. وفي السياق المغربي، ورغم التقدم الذي أحرزه دستور 2011 وما تلاه من التزامات رسمية، لا تزال الفجوة قائمة بين الخطاب والممارسة، خاصة بالنسبة للنساء في وضعية هشاشة وفي العالم القروي.

تكشف المؤشرات الوطنية عن تراجع مقلق في نسبة النشاط الاقتصادي للنساء، وهو ما يعكس محدودية السياسات المعتمدة في مجال التمكين الاقتصادي. فالدعم العمومي، رغم أهميته، يظل في كثير من الأحيان غير كافٍ، ولا يستند إلى رؤية شمولية تقوم على “المواطنة المنتجة”، بل يتسم بالتشتت وضعف الالتقائية بين مختلف البرامج والمبادرات.

وتزداد حدة هذه الإشكالات في الوسط القروي، حيث تواجه النساء تحديات مركبة، تبدأ من ضعف البنيات التحتية الأساسية، كالمسالك الطرقية، والخدمات الصحية، والمؤسسات التعليمية، ولا تنتهي عند الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

فالهدر المدرسي في صفوف الفتيات ما يزال مرتفعا، ما يحد من فرصهن في الاندماج المهني، ويكرس حلقة الفقر والتبعية. كما أن نسبة كبيرة من النساء القرويات يشتغلن في أنشطة غير مهيكلة أو في أعمال غير مؤدى عنها، مما يحرمهن من الحماية الاجتماعية والحقوق الأساسية كالتغطية الصحية والتقاعد.

ولا يمكن إغفال استمرار بعض الممارسات الاجتماعية التي تمس بكرامة المرأة، مثل زواج القاصرات، والذي يعكس تداخل عوامل الفقر والهشاشة مع بقايا أنماط ثقافية تقليدية، وهو ما يستدعي مقاربة شمولية تجمع بين الردع القانوني والتوعية المجتمعية.

على المستوى السياسي، ورغم اعتماد آليات التمييز الإيجابي لتعزيز تمثيلية النساء، فإن التجربة أبانت عن محدوديتها، مما يفرض التفكير في صيغ جديدة تدعم حضور النساء في الدوائر المحلية وتكفل تنافسية حقيقية قائمة على الكفاءة. كما أن تخليق الحياة السياسية يظل مدخلا أساسيا لتشجيع النساء على الانخراط، إذ أن محاربة الفساد والحد من تأثير المال الانتخابي من شأنه أن يفتح المجال أمام الكفاءات النسائية التي غالباً ما تقصى بسبب هذه الممارسات.

في المقابل، يظل إصلاح الإطار القانوني، وعلى رأسه مدونة الأسرة، ورشا حاسما لمواكبة التحولات المجتمعية. فتعطيل هذا الإصلاح ينعكس سلباً على مختلف أبعاد تمكين المرأة، باعتبار الأسرة النواة الأساسية التي تتحدد داخلها علاقات القوة والحقوق. فأي تأخير في هذا الورش يفرغ العديد من المبادرات من مضمونها، ويؤجل تحقيق المساواة الفعلية.

ومن جهة أخرى، يلعب الإعلام دورا محوريا في تشكيل الوعي الجماعي. فالإعلام العمومي مدعو اليوم إلى تجاوز المقاربات الاحتفالية والموسمية، والانخراط في إنتاج مضامين توعوية وتثقيفية تبرز قضايا النساء بعمق وموضوعية، وتعزز ثقافة المساواة. كما أن تطوير الصحافة الاستقصائية كفيل بكشف الاختلالات وتسليط الضوء على الفوارق المجالية والاجتماعية، في مقابل التصدي لخطابات الكراهية والتضليل التي تنتشر عبر بعض المنصات الرقمية.

وانسجاماً مع الواقع المغربي، يمكن اقتراح مجموعة من التدابير العملية، من أبرزها:

  • اعتماد سياسات عمومية مندمجة تقوم على التنسيق بين مختلف القطاعات، وربط المسؤولية بالمحاسبة في برامج تمكين النساء؛
  • توجيه الاستثمارات العمومية نحو تحسين البنيات التحتية في العالم القروي، بما يضمن الولوج العادل إلى التعليم والصحة؛
  • تعميم الحماية الاجتماعية لتشمل النساء العاملات في القطاع غير المهيكل، مع تحفيز إدماجهن في الاقتصاد المنظم؛
  • مراجعة الإطار القانوني المتعلق بزواج القاصرات بشكل يحدّ من هذه الظاهرة ويعزز حماية الطفولة؛
  • دعم التمكين الاقتصادي عبر تشجيع المقاولة النسائية، وتسهيل الولوج إلى التمويل والتكوين؛
  • إصلاح المنظومة الانتخابية بما يعزز حضور النساء في التمثيليات المحلية والوطنية، إلى جانب تخليق الحياة السياسية؛
  • تطوير الإعلام العمومي والخاص ليضطلع بدوره التنويري، مع الاستثمار في التربية على المساواة داخل المدرسة والأسرة.

إن تمكين المرأة في المغرب لم يعد خيارا سياسيا أو مطلبا فئويا، بل ضرورة تنموية واستراتيجية لبلوغ مجتمع أكثر عدلا وتماسكا. فاستمرار تهميش نصف المجتمع يعني إهدار طاقات هائلة كان من الممكن أن تساهم في تحقيق الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي. ومن تم، فإن الرهان الحقيقي يكمن في الانتقال من منطق الشعارات إلى منطق الأثر، عبر سياسات عمومية جريئة، وإرادة سياسية صادقة، وتعبئة مجتمعية شاملة تؤمن بأن المساواة هي المدخل الأساس لتحقيق تنمية مستدامة وشاملة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.