انتخابات 2026 بالمغرب: رهان تجديد النخب واستعادة الثقة في المسار الديمقراطي
يشكل الاستحقاق التشريعي المرتقب برسم سنة 2026 محطة مفصلية في المسار السياسي للمملكة المغربية، لما يحمله من رهانات تتجاوز البعد الانتخابي التقني إلى أفق أوسع يتعلق بتجديد النخب، وتعزيز الحضور الشبابي والنسائي داخل المؤسسات المنتخبة، والاستجابة لتطلعات مجتمع يتطلع إلى ممارسة سياسية أكثر نجاعة ومصداقية.
وقد بدأت ملامح مرحلة ما قبل الانتخابات تتشكل مبكراً من خلال حركية سياسية ملحوظة، سواء من قبل أحزاب الأغلبية الحكومية أو أحزاب المعارضة. وتتجلى هذه الدينامية في تكثيف الأنشطة التنظيمية والتواصلية، مع توجيه خطاب مباشر إلى فئة الشباب لحثهم على الانخراط في العمل الحزبي والمشاركة في الاستحقاقات المقبلة، سواء عبر التصويت أو الترشح. غير أن هذه الحركية تظل رهينة بقدرتها على تجاوز حالة العزوف النسبي التي طبعت المحطات الانتخابية السابقة، والتي ارتبطت أساساً بتراجع الثقة في النخب السياسية، وبالتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أعادت ترتيب أولويات فئات واسعة من الشباب.
وفي هذا السياق، تم اعتماد مجموعة من الإجراءات الرامية إلى تشجيع المشاركة السياسية للشباب، من بينها تخصيص دعم مالي يصل إلى 75 في المائة من مصاريف الحملات الانتخابية لفائدة المرشحين دون سن الخامسة والثلاثين، إلى جانب تسهيلات تهم المترشحين المستقلين، بما يفتح المجال أمام كفاءات جديدة للولوج إلى المؤسسات التمثيلية. ويعكس هذا التوجه إرادة لتجاوز الانتقادات التي وُجهت طويلاً إلى الأحزاب بشأن محدودية انفتاحها على الطاقات الشابة واعتمادها المفرط على شبكات النفوذ التقليدية.
ويبقى الرهان المركزي هو استعادة الثقة في السياسة باعتبارها فضاء للمبادرة والمساءلة وصناعة القرار، وتحويل الطاقات الشابة من قوة اجتماعية كامنة إلى فاعل مؤثر في رسم ملامح مغرب ما بعد 2026. فهذه السنة الانتخابية تحمل في طياتها تنافساً سياسياً قوياً، تطمح من خلاله الأحزاب إلى تعزيز مواقعها وضمان موقع متقدم في المشهد الحكومي، في ظل دوائر انتخابية توصف أحياناً بالغموض والتعقيد.
ورغم ما قامت به الدولة، من خلال وزارة الداخلية، من مراجعة للمنظومة الانتخابية بما يعكس توجها نحو تعزيز الشفافية وتحصين العملية الانتخابية، فإن التحدي الحقيقي يظل في القطع مع بعض الممارسات السلبية، وعلى رأسها الاعتماد على الأعيان والمال الانتخابي كوسيلة لحسم النتائج، بعيدا عن معيار الكفاءة والمسار السياسي والنزاهة.
لقد أبانت المرحلة الراهنة عن اختلالات في تدبير الشأن العام لدى بعض القوى التي تولت المسؤولية، حيث لم تتمكن من إقناع فئات واسعة من المواطنين بقدرتها على إنتاج سياسات عمومية ذات أثر ملموس وإيجابي. فالمواطن الذي يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة لم يعد يتفاعل مع خطاب وبرامج لم تحقق قيمة مضافة واضحة، باستثناء إجراءات محدودة لم ترق إلى مستوى تحسين القدرة الشرائية أو إحداث تحول اجتماعي واقتصادي حقيقي.
ومن تم يطرح السؤال بإلحاح: هل ستخوض الأحزاب السياسية غمار انتخابات 2026 بالبرامج والوجوه ذاتها، أم أن المرحلة ستعرف تجديداً حقيقياً في الرؤى والأدوات والنخب، مع استبعاد الأسماء التي تطالها متابعات قضائية مرتبطة بملفات الفساد؟
في هذا الإطار، تشكل التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة محمد السادس نصره الله، كما وردت في خطابه الأخير، خارطة طريق واضحة للمرحلة المقبلة، حيث أكد جلالته على ضرورة الإعداد الجيد والمبكر للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026. ويعكس هذا التوجيه أن ورش الديمقراطية بالمغرب ليس محطة ظرفية أو رهين حسابات آنية، بل خيارا استراتيجيا يعبر عن قوة الدولة ومتانة مسارها الإصلاحي.
وقد شدد جلالته على جملة من المحاور الأساسية، من أبرزها:
- تعزيز الجهوية المتقدمة والتنمية الترابية المندمجة؛
- تحسين جودة الخدمات الاجتماعية وضمان العدالة المجالية؛
- اعتماد سياسة استباقية ومستدامة لتدبير الموارد المالية؛
- دعم المشاريع الوطنية الكبرى وربطها بالرهانات المحلية.
كما أكد في الشق السياسي أهمية اعتماد المنظومة المؤطرة للانتخابات في وقت مبكر، وفتح باب المشاورات مع الأحزاب السياسية، بما يضمن وضوح القواعد وتحصين المسار الانتخابي من أي لبس أو تأويل قد يمس بشفافيته.
وعليه، فإن الانتخابات المقبلة ليست مجرد استحقاق دوري، بل لحظة حاسمة لقياس قدرة المغرب على تجديد نخبه السياسية، وتوسيع دائرة المشاركة، وتعزيز انخراط المغاربة داخل الوطن وخارجه في صناعة القرار. وهي فرصة لترسيخ ثقافة سياسية جديدة قوامها الكفاءة، والنزاهة، والالتزام الصادق بقضايا الوطن والمواطنين.
إن انتخابات 2026 تمثل ورشاً وطنياً بامتياز، والرهان الأكبر هو أن تتحول إلى محطة ديمقراطية نوعية تعيد بناء جسور الثقة بين الأحزاب والمجتمع، وتمنح آفاقاً جديدة لمشاركة فعلية ومؤثرة لكل المغاربة في تدبير الشأن العام، بعيدا عن الحسابات الضيقة، وفاء للمصلحة العليا للوطن وترسيخا لقيم المواطنة المسؤولة.
