الأحزاب التي نسيت لماذا وجدت

0 20

لم يعد السؤال اليوم: ماذا تريد الأحزاب السياسية في المغرب؟ بل أصبح: هل ما زالت تتذكر لماذا وُجدت أصلا؟

فبين لحظة التأسيس، حيث كان الحزب تعبيرا عن قضية ومشروعا مجتمعيا وأداة للتأطير والتغيير، ولحظة الراهن، حيث تحوّل إلى إطار انتخابي موسمي، تتبدّى مفارقة عميقة تختزل أزمة الفعل الحزبي برمّته.

لقد نشأت الأحزاب السياسية، كما يوضح موريس دوفيرجيه (Maurice Duverger)، في سياقات تاريخية مرتبطة بتوسع المشاركة السياسية، حيث تحولت تدريجيا من أحزاب نخب ضيقة إلى أحزاب جماهيرية تؤطر المجتمع وتنتج التمثيل السياسي. وفي الحالة المغربية، ارتبط هذا المسار بالسياق الوطني الحركي، حيث لعبت الأحزاب دورا مركزيا في التعبئة السياسية وبناء الدولة الحديثة، وكان للأيديولوجيا وظيفة تأسيسية تمنح الحزب هويته داخل الصراع الاجتماعي.

غير أن هذا الدور بدأ يتآكل تدريجيا مع تحولات الدولة والمجتمع، خاصة مع إدماج الأحزاب في النسق المؤسساتي وتزايد منطق التوافقات. وهنا يمكن استحضار أطروحة أنجللو بانبيانكو حول “المأسسة التنظيمية”، حيث يتحول الحزب من تنظيم حامل لمشروع أيديولوجي إلى جهاز بيروقراطي يسعى أساسا إلى البقاء داخل النظام السياسي أكثر من تغييره.

تشير الأدبيات التي تناولت تطور الأحزاب بالمغرب إلى أن هذه الأخيرة انتقلت من نموذج الأحزاب الجماهيرية إلى نموذج الأحزاب الانتخابية، حيث أصبح الهاجس الأساسي هو تدبير الاستحقاقات بدل تأطير المجتمع. ومع هذا التحول، تراجعت الأيديولوجيا من موقع التوجيه إلى هامش التبرير، وأصبح الخطاب السياسي أقرب إلى منطق التكيف البراغماتي منه إلى منطق المشروع.

غير أن هذا التحول لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل مركب بين عوامل ذاتية وموضوعية.
فعلى المستوى الذاتي، تعاني الأحزاب من أعطاب تنظيمية واضحة، من قبيل ضعف الديمقراطية الداخلية، وهيمنة القيادات التقليدية، وغياب التداول النخبوي، فضلا عن تراجع الإنتاج الفكري والأيديولوجي. هذه الاختلالات أضعفت قدرتها على التأطير والاستقطاب، وجعلتها تميل إلى اختزال العمل السياسي في لحظته الانتخابية.

في المقابل، تتقاطع هذه العوامل مع محددات موضوعية مرتبطة بطبيعة النظام السياسي المغربي وتحولاته. فمن منظور تحليل النظم السياسية، يمكن القول إن عملية “إدماج المعارضة” داخل النسق السياسي، كما تشير إليه بعض الأدبيات المقارنة، قد ساهمت في إعادة تعريف وظيفة الحزب، ليس كفاعل صراعي، بل كفاعل مدمج في منطق الاستقرار ،كما أن نمط الاقتراع، وتعدد الفاعلين الحزبيين، ومنطق التحالفات، كلها عوامل ساهمت في تفكيك التمايز الأيديولوجي وإضعافه.

وفي هذا السياق، لم يُلغِ النظام السياسي دور الأحزاب، بل أعاد توجيهه من فاعل مؤطر ومؤثر إلى فاعل مشارك في التوازن المؤسساتي. وهو ما ينسجم مع ما تشير إليه بعض المقاربات المؤسسية الجديدة ،من أن المؤسسات لا تُقصي الفاعلين، بل تعيد تشكيل سلوكهم وحدود خياراتهم.

وتؤكد نتائج الدراسة الميدانية التي أنجزتها -في إطار رسالة نيل شهادة الماستر – حول تراجع الظاهرة الحزبية بالمغرب ،هذا التداخل بين الذاتي والموضوعي، حيث عبر عدد مهم من المستجوبين عن أن ضعف الأحزاب لا يعود فقط إلى بنيتها الداخلية، بل أيضا إلى السياق السياسي الذي يعيد تشكيل أدوارها. كما أظهرت الدراسة تراجعا ملحوظا في الانخراط الحزبي، خاصة لدى الشباب، مقابل صعود نخب انتخابية لا تستند بالضرورة إلى رصيد فكري أو نضالي، وهيمنة منطق الترشح والاستحقاقات على حساب التأطير.

هذا التحول لم يكن بلا كلفة، إذ أدى إلى تآكل الثقة في الأحزاب، وإلى بروز أشكال جديدة من التعبير السياسي خارجها(التنسقيات، مواقع التواصل ،جيل زد،…)، بما يعكس أزمة تمثيلية حقيقية. كما أفرز نوعا من التقارب الأيديولوجي بين الأحزاب، حيث أصبحت البرامج والخطابات متشابهة، والتحالفات تبنى على أساس حسابات عددية لا تقاطعات فكرية.

إن أخطر ما في هذا المسار ليس فقط تراجع دور الأحزاب، بل فقدانها للوعي بوظيفتها الأصلية. فحين يتحول الحزب من حامل لقضية إلى مجرد أداة انتخابية، وحين يصبح الانتماء الحزبي وسيلة للتموقع بدل الالتزام، فإن السياسة نفسها تفقد معناها، وتتحول إلى ممارسة تقنية خالية من البعد القيمي.

ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، يتجدد هذا السؤال بإلحاح أكبر: هل ستظل الأحزاب حبيسة منطق التكيف الانتخابي؟ أم أن هذه المحطة ستشكل لحظة اختبار حقيقية لإمكانية استعادة الوظيفة التأطيرية والفكرية؟

إن الرهان اليوم لا يكمن فقط في نتائج صناديق الاقتراع، بل في ما إذا كانت هذه الانتخابات ستعيد وصل ما انقطع بين الأحزاب والمجتمع، أو ستكرس مزيدا من الانفصال بين السياسة ومجالها الاجتماعي. وبين هذين الاحتمالين، يتحدد مستقبل الفعل السياسي في المغرب: إما استعادة المعنى، أو استمرار التآكل داخل لعبة انتخابية بلا روح.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.