المغرب والحاجة إلى جيل جديد من النخب

0 4

لقد شكل اعتلاء جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده العرش محطة مفصلية في تاريخ المغرب الحديث، حيث دشّن العهد الجديد بإطلاق إصلاحات وأوراش استراتيجية مكنت المملكة من الارتقاء إلى مصاف الدول الصاعدة. فقد عرف المغرب طفرة نوعية في مجال البنيات التحتية من طرق سيارة وموانئ ومطارات، على رأسها ميناء طنجة المتوسط الذي أضحى ضمن أكبر الموانئ العالمية، وربط المملكة بشبكة القطار فائق السرعة “البراق” كأول تجربة إفريقية وعربية. كما تمكن المغرب من استقطاب كبريات الاستثمارات في قطاع صناعة السيارات حيث أصبح أكبر مصدر لها نحو أوروبا، وبرز في مجال الصناعة الجوية وصناعة الأسلحة والمعدات الدفاعية، فضلاً عن الريادة في مجال الطاقات المتجددة من خلال مشروع “نور ورزازات” العملاق، ما عزز استقلالية القرار الطاقي للمملكة.

على المستوى الدولي، رسخ المغرب حضوره كفاعل قاري من خلال العودة الموفقة إلى الاتحاد الإفريقي وتوقيع شراكات استراتيجية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين وروسيا، إلى جانب احتضانه للملتقيات الدولية الكبرى، مثل مؤتمر المناخ “كوب 22” بمراكش، والاستعداد لاحتضان تظاهرات رياضية عالمية كـ كأس إفريقيا للأمم 2025 وكأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال. هذه الإنجازات رسخت صورة المغرب كبلد قادر على رفع التحديات وتحويلها إلى فرص للتنمية وجلب الاستثمارات، بفضل الإرادة الملكية وتعبئة مختلف الطاقات الوطنية.

لكن هذه الدينامية الإصلاحية والإنجازات المبهرة ما فتئت تصطدم بواقع الأداء المحدود للنخب السياسية التي يفترض أن تكون جسراً بين المواطن والدولة. فالكثير من الأحزاب ما زالت رهينة الزبونية والمحسوبية، وتفتقر إلى آليات التكوين السياسي الرصين، ما انعكس في ضعف الخطاب السياسي وغياب المبادرة والابتكار في التفاعل مع انتظارات المجتمع. كما أن العديد من المسؤولين السياسيين عاجزون عن مواكبة الأوراش الملكية الكبرى، سواء في تنزيل الجهوية المتقدمة، أو في تفعيل آليات الدبلوماسية الموازية التي يتطلبها الدفاع عن القضايا الوطنية وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية.

هذا الوضع يجعل النخب الحالية في حالات كثيرة عنصراً معرقلاً أكثر من كونها مساهماً في التنمية، حيث يبرز التأخر في معالجة قضايا التفاوتات المجالية، وفي تجسيد العدالة الاجتماعية، وفي تطوير علاقة ثقة مع الشارع المغربي، مما يزيد من فجوة العزوف السياسي وضعف المشاركة الشعبية في العمل الحزبي والانتخابي.

من هنا، يؤكد الحزب المغربي الحر أن المرحلة التاريخية الراهنة تفرض ضرورة إحداث قطيعة إيجابية مع الممارسات التقليدية، والانتقال نحو الاعتماد على جيل جديد من النخب يتسم بالكفاءة والسرعة والخبرة، وقادر على التواصل المباشر مع المواطن وصناعة الأمل الحقيقي في مستقبل المغرب. جيل يحمل مشروعاً إصلاحياً يعزز الثقة في المؤسسات، ويترجم الإرادة الملكية إلى سياسات واقعية، ويضمن أن تكون النخب السياسية رافعة حقيقية للتنمية والديمقراطية، لا نقطة ضعف تعرقل مسيرة التحديث والبناء.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.