المشاركة السياسية لمغاربة العالم: بين الاعتراف الدستوري وإشكالية التمثيلية الفعلية

0 34

تشكل الجالية المغربية المقيمة بالخارج مكونا ديمغرافيا واستراتيجيا بالغ الأهمية، إذ يفوق عددها خمسة ملايين مواطن موزعين عبر مختلف دول العالم، وتضطلع بأدوار اقتصادية واجتماعية محورية، سواء من خلال تحويلاتها المالية، أو استثماراتها، أو مساهمتها في إشعاع المغرب دوليا ونقل الكفاءات والخبرات. غير أن هذا الحضور الوازن على المستوى الاقتصادي والاجتماعي لا يقابله إدماج سياسي فعلي، وهو ما يطرح مفارقة لافتة تستدعي التحليل، تتمثل في كون فئة تشكل رافعة تنموية أساسية تظل في الآن ذاته على هامش الفعل السياسي وصنع القرار. ولا يثير هذا التناقض فقط مسألة المشاركة، بل يطرح إشكالا دستوريا يرتبط بمدى تفعيل مبدأ المساواة في التمتع بالحقوق السياسية، ومدى احترام الالتزامات الدستورية والدولية ذات الصلة.

وفي هذا الإطار، شكل دستور 2011 لحظة مفصلية في مسار تكريس حقوق المغاربة المقيمين بالخارج، حيث نص الفصل 17 بشكل صريح على تمتعهم بكافة حقوق المواطنة، بما في ذلك حق التصويت والترشح في الانتخابات، إذ جاء فيه: “يتمتع المغاربة المقيمون في الخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات. ويمكنهم تقديم ترشيحاتهم للانتخابات على مستوى اللوائح والدوائر الانتخابية المحلية والجهوية والوطنية. ويحدد القانون المعايير الخاصة بالأهلية للانتخاب وحالات التنافي. كما يحدد شروط وكيفيات الممارسة الفعلية لحق التصويت وحق الترشيح، انطلاقا من بلدان الاقامة”.

ولا يقف هذا التأطير عند المرجعية الدستورية، بل يجد سنده أيضا في المعايير الدولية، خاصة المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تضمن لكل مواطن الحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة، إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يتم اختيارهم بحرية. كما يعزز هذا التوجه ما ينص عليه الفصل 11 من الدستور من ربط مشروعية التمثيل الديمقراطي بنزاهة الانتخابات وشفافيتها، إلى جانب الفصل 30 الذي يكرس حق التصويت والترشح لكل مواطن، وهو ما يجعل مشاركة مغاربة العالم ليست امتيازا، بل حقا دستوريا أصيلا، وإن ظل هذا الإقرار، رغم وضوحه، محكوما في تنزيله العملي بمنطق التدرج، بل أحيانا بمنطق الحذر، خاصة فيما يتعلق بكيفيات ممارسة هذا الحق.

وفي سياق تنزيل هذه المقتضيات، أقر المشرع من خلال القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب الصادر بتاريخ 14/10/2011 إمكانية تصويت المغاربة المقيمين بالخارج عن طريق الوكالة، حيث نصت المادة 72 على أنه: “يجوز للناخبات والناخبين المقيدين في اللوائح الانتخابية العامة المقيمين خارج تراب المملكة أن يصوتوا في الاقتراع عن طريق الوكالة. ولهذه الغاية، يتعين على كل ناخب يعنيه الأمر أن يملا مطبوعا خاصا يوضع رهن إشارته بمقر السفارة أو القنصلية التابع لها مكان إقامته ويوقع عليه، ويصادق على إمضائه، في عين المكان، بعد تضمينه البيانات المتعلقة بإسميه الشخصي والعائلي ورقم بطاقته الوطنية للتعريف أو جواز سفره والجماعة أو المقاطعة المقيد في لائحتها الانتخابية بالتراب الوطني والعنوان المدلى به للتقييد في اللائحة الانتخابية المذكورة وكذا الإسم الشخصي والعائلي للشخص الممنوحة له الوكالة ورقم بطاقته الوطنية للتعريف وعنوانه الشخصي. يتولى المعني بالأمر بنفسه توجيه أو تسليم الوكالة إلى الشخص الذي تم توكيله. يقوم الوكيل بالتصويت نيابة عن المعني بالأمر وفقا للكيفيات المنصوص عليها في هذا القانون التنظيمي. لا يجوز لشخص أن يكون وكيلا لأكثر من ناخب واحد مقيم خارج تراب المملكة”.

وقد يبدو ظاهريا أن هده الآلية ستمكن أفراد الجالية من ممارسة حقهم القانوني في التصويت إلا أن الممارسة العملية كشفت عن محدوديتها، سواء بسبب الطابع الورقي للمسطرة، أو الاكراهات المرتبطة بالمسافة بين مقرات سكن الجالية والمصالح القنصلية، أو تعقيد الاجراءات وضيق الآجال، فضلا عن صعوبة إرسال الوكالة إلى داخل التراب الوطني، وهو ما جعل من هذا الحق في كثير من الأحيان حقا نظريا أكثر منه ممارسة فعلية.

ولا تقف حدود الإشكال عند الجوانب العملية فحسب، بل تمتد إلى أبعاد مبدئية، ذلك أن التصويت بالوكالة يشكل استثناء على مبدأ شخصية التصويت، الذي يعد من الركائز الأساسية للعملية الديمقراطية، حيث يفترض أن يعبر الناخب بنفسه وبشكل مباشر عن إرادته السياسية، كما قد يثير تساؤلات حول مدى احترام سرية الاقتراع واستقلالية القرار الانتخابي.

ومن ثم، فإن هذه الآلية، وإن كانت تهدف إلى تيسير المشاركة، قد تؤول في بعض الحالات إلى إفراغ الفعل الانتخابي من مضمونه التمثيلي، وتحويله إلى مجرد تفويض شكلي.

وفي محاولة لتجاوز بعض هذه الإكراهات، وفي إطار التحضير التشريعية المقررة بتاريخ 23 شتنبر 2026 اتجه المشرع نحو إدماج الوسائل الرقمية، من خلال تعديل المادة 72 بموجب القانون التنظيمي 53.25، الصادر بتاريخ  16 يناير 2026  حيث نصت على أنه: “يجوز للناخبات والناخبين التصويت عن طريق الوكالة. لهذه الغاية، يتعين على كل ناخب يعنيه الأمر أن ينجز الوكالة عبر منصة الكترونية مخصصة لهذا الغرض بإدخال البيانات المتعلقة بإسمه الشخصي والعائلي ورقم بطاقته الوطنية للتعريف ورقم تسجيله بسجلات التسجيل القنصلي الممسوكة من طرف سفارات وقنصليات المملكة والجماعة أو المقاطعة المقيد في لائحتها الانتخابية بالتراب الوطني والعنوان المدلى به للتقييد في اللائحة الإنتخابية المذكورة وكذا الإسم الشخصي والعائلي للناخب الممنوحة له الوكالة ورقم بطاقته الوطنية للتعريف وعنوانه الشخصي. يجب على الناخب المقيم خارج تراب المملكة، فور إنجاز الوكالة عبر المنصة الإلكترونية، التثبت من المعطيات والمعلومات التي أدلى بها، سواء الخاصة به أو المتعلقة بالناخب الذي وكله للتصويت نيابة عنه، وتأكيد صحتها إشهادا منه على أنه قام بملء مطبوع الوكالة بصفة شخصية وأن المعلومات المضمنة فيه صحيحة. ثم يقوم بتحميل نسخة من الوكالة وإرسالها عبر البريد الالكتروني أو البريد العادي إلى الناخب الذي وكله للتصويت نيابة عنه بالتراب الوطني. تقوم السلطة الادارية المحلية التابعة للدائرة نفوذها مكتب التصويت الذي يصوت فيه الناخب الموكل إليه، بطبع نسخة من الوكالة من أجل وضعها رهن إشارة رئيس مكتب التصويت المعني يوم الاقتراع قصد التحقق من صحة الوكالة المدلى بها من طرف الناخب الموكل إليه”.

ورغم ما يعكسه هذا التعديل من توجه نحو رقمنة المساطر وتبسيط الإجراءات، فإنه يظل في جوهره إصلاحا تقنيا لا يمس طبيعة الآلية ذاتها، إذ يبقي على منطق التصويت بالوكالة، دون معالجة الإشكالات المرتبطة بالتمثيلية.

وفي هذا السياق، يبرز الإشكال الجوهري الذي يطبع المشاركة السياسية لمغاربة العالم، والمتمثل في ضعف العلاقة بين حق التصويت والتمثيلية الفعلية، إذ يطلب من الناخب المقيم بالخارج أن يصوت لمرشح ضمن دائرة انتخابية داخل التراب الوطني، قد لا تربطه بها أي علاقة واقعية، ولا تعكس بالضرورة اهتماماته أو أولوياته، وهو ما يضعف الرابط بين الناخب والممثل، ويجعل الفعل الانتخابي فاقدا لجزء كبير من معناه السياسي. وهكذا، نكون أمام مفارقة واضحة تتمثل في توسيع شكلي للحق في التصويت، مقابل غياب فعلي للتمثيلية السياسية، وهو ما يفرغ هذا الحق من محتواه الديمقراطي، ويجعل العزوف الإنتخابي خيارا مفهوما في ظل غياب أثر ملموس للصوت الانتخابي.

وقد نبهت الخطب الملكية منذ سنوات إلى هذا الإشكال، حيث دعا جلالة الملك في خطاب 6 نونبر 2005 إلى تمكين مغاربة العالم من تمثيلية برلمانية حقيقية، عبر إحداث دوائر انتخابية بالخارج، وهو ما أعيد التأكيد عليه في عدة مناسبات لاحقة.

كما أن النقاش السياسي والحزبي بدوره أفرز إجماعا حول ضرورة تمثيلية الجالية، حيث تراوحت المقترحات بين تخصيص مقاعد برلمانية، أو اعتماد لوائح وطنية خاصة، أو إحداث دوائر انتخابية بالخارج.

بل إن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أكد أن مسألة التمثيلية السياسية لمغاربة العالم تظل مطلبا ذا أولوية، ودعا إلى تطوير آليات المشاركة، بما في ذلك الوسائل الرقمية.

لقد سبق للمشرع المغربي أن اعتمد منطق التمييز الإيجابي لتعزيز تمثيلية بعض الفئات، من خلال تخصيص مقاعد لفائدة النساء والشباب، بهدف تحقيق نوع من التوازن داخل المؤسسة التشريعية. وهو خيار أثبت نجاعته في توسيع قاعدة المشاركة وتحقيق حضور فعلي لهذه الفئات داخل البرلمان. ومن هذا المنطلق، لابد للمشرع اليوم التفكير في اعتماد مقاربة مماثلة لفائدة مغاربة العالم، سواء عبر إحداث دوائر انتخابية خاصة بالخارج، أو تخصيص عدد من المقاعد البرلمانية للجالية، بما يضمن تمثيليتها الحقيقية داخل المؤسسة التشريعية اسوة بمجموعة من التجارب المقارنة الدي منحت مقاعد للمهاجرين مثل فرنسا وإيطاليا والبرتغال وتونس.

ولا بد من التأكيد على أن الانتقال نحو التصويت الإلكتروني لمغاربة العالم يظل خيارا استراتيجيا لا يمكن تجاهله. فهذا النموذج، الذي أصبح معتمدا في عدد من التجارب المقارنة، يمكن أن يشكل حلا عمليا لتجاوز الإكراهات الجغرافية والإدارية، وتمكين الجالية من ممارسة حقها السياسي بسهولة وفعالية ودون وساطة.

من هدا المنطلق فإن التفكير في إطلاق تجربة نموذجية للتصويت الإلكتروني لفائدة مغاربة العالم، في أفق تعميمها مستقبلا على المستوى الوطني أصبح ضرورة ديمقراطية تفرضها التحولات الرقمية التي يعرفها العالم.

وخلاصة القول، إن اقرار حق التصويت لفائدة مغاربة العالم، دون تمثيلية حقيقية داخل المؤسسات المنتخبة، يظل إصلاحا ناقصا لا يرقى إلى مستوى الالتزامات الدستورية والدولية، ذلك أن الديمقراطية لا تقاس فقط بعدد المصوتين، بل بمدى قدرة أصواتهم على التأثير في القرار العمومي وإفراز ممثلين عنهم داخل قبة البرلمان  ومن ثم، فإن تحقيق مشاركة سياسية فعلية لهذه الفئة يقتضي الانتقال من منطق التمكين الشكلي من التصويت إلى منطق الادماج الحقيقي في منظومة التمثيل السياسي، بما يكرس مواطنة كاملة غير منقوصة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.